ابن الأثير
50
الكامل في التاريخ
ولمّا وصلوا ورأوا ما نالهم في طريقهم وما هم فيه من الاختلاف عادوا إلى بلادهم فغرقت بهم المراكب ولم ينج منهم أحد . وكان الملك قلج أرسلان يكاتب صلاح الدين بأخبارهم ، ويعده أنّه يمنعهم من العبور في بلاده ، فلمّا عبروها وخلّفوها أرسل يعتذر بالعجز عنهم ، لأنّ أولاده حكموا عليه ، وحجروا عليه ، وتفرّقوا عنه ، وخرجوا عن طاعته . وأمّا صلاح الدين عند وصول الخبر بعبور ملك الألمان ، فإنّه استشار أصحابه ، فأشار كثير منهم عليه بالمسير إلى طريقهم ومحاربتهم قبل أن يتّصلوا بمن على عكّا ، فقال : بل نقيم إلى أن يقربوا منّا ، وحينئذ نفعل ذلك لئلّا يستسلم من بعكّا من عساكرنا ، لكنّه سيّر بعض من عنده من العساكر ، منها عسكر حلب وجبلة ولاذقيّة وشيزر وغير ذلك ، إلى أعمال حلب ليكونوا في أطراف البلاد يحفظونها من عاديتهم ، وكان حال المسلمين كما قال اللَّه عزّ وجلّ : إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ، هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً « 1 » فكفى اللَّه شرّهم وردّ كيدهم في نحرهم . ومن شدّة خوفهم أنّ بعض أمراء صلاح الدين كان له ببلد الموصل قرية ، وكان أخي ، رحمه اللَّه ، يتولّاها ، فحصل دخلها من حنطة وشعير وتبن ، فأرسل إليه في بيع الغلّة ، فوصل كتابه يقول : تبع الحبّة الفرد ، واستكثر لنا من التبن ، ثمّ بعد ذلك وصل كتابه يقول : تبيع الطعام فما بنا حاجة إليه ، ثمّ إنّ ذلك الأمير قدم الموصل ، فسألناه عن المنع من بيع الغلّة ، ثمّ الإذن فيها بعد مدّة يسيرة ، فقال : لمّا وصلت الأخبار بوصول ملك الألمان أيقنّا أنّنا ليس لنا بالشام مقام ، فكتبت بالمنع من بيع الغلّة لتكون ذخيرة لنا إذا جئنا إليكم ، فلمّا أهلكهم اللَّه تعالى وأغنى عنها كتبت ببيعها والانتفاع بثمنها .
--> ( 1 ) . 11 . 10 خ 33 . roC